وزارة التعليم العالي والبحث العلمي


 
 
 
الملخص التنفيذي

 

يحتاج اليمن- كغيره من الدول وخاصة الدول النامية- إلى نظام للتعليم العالي يتصف بالديناميكية والجودة والكفاءة العالية. فاليمن معروف بمحدودية موارده الطبيعية مقارنة بالبلدان العربية المجاورة له، ولذلك فإن على اليمن أن يعمل على تطوير موارده البشرية لزيادة مخزونه من المعارف، والمهارات، والخبرات، والقدرات التقنية, ليتمكن من تحقيق أهدافه، والتحول إلى اقتصاد قائم على المعرفة يمكنه من زيادة قدراته التنافسية للالتحاق الفعال باقتصاديات القرن الواحد والعشرين.  وسيكون لمؤسسات التعليم العالي عموماً والجامعات اليمنية خصوصاً دور محوري في هذا الشأن، خاصة وأن البيانات تشير إلى أن مخرجات التعليم الثانوي سوف تصل إلى ما يزيد على أربعة أضعاف ما هي عليه الآن في العقدين القادمين، وهذا يعني أن على مؤسسات التعليم العالي والجامعات اليمنية أن توسع من طاقتها الاستيعابية، لمواكبة هذا العدد المتزايد للطلاب، وأن تعمل في الوقت نفسه على تحسين وتطوير برامجها، وتجويد مخرجاتها.

ولتحقيق طموحات الحكومة والمجتمع اليمني فلا بد أن يكون لنظام التعليم العالي دوره الفاعل في  الدفع بمسيرة التنمية في البلد اقتصادياً، وثقافيا،ً وأخلاقيا،ً واجتماعياً. وهذا يقتضي أن يقدم هذا النظام أنماطا من التعليم تسمح لمخرجاته من الطلاب بالدخول إلى سوق العمل كقوة بشرية كفأة ذات مؤهلات عالية، إلى جانب قدرته على تنمية قدرات هؤلاء الطلاب ومواهبهم باعتبارهم أفرادا ومواطنين فاعلين، وأن يهتم بإجراء الدراسات والأبحاث العلمية التي تفيد في تنمية الصناعة وتنمية المجتمع عموما، وأن يعمل هذا النظام على توسيع نطاق الإستفادة من موارده وإمكاناته وتسخيرها لخدمة المجتمع؛ ولكي يتحقق ذلك فإن نظام التعليم العالي الحالي في اليمن في أمس الحاجة إلى التحديث، والتطوير، والتحسين المستمر, لا سيما وأنه يعاني من نقاط ضعف عديدة.

ومما يلفت الانتباه أن مخرجات التعليم العالي لا تتناسب ومدخلاته؛ فعلى الرغم من أن الميزانية المخصصة للتعليم العالي في اليمن لا تقل عن ما هو موجود في بعض البلاد العربية المماثلة، بل هي أفضل عند مقارنتها بكثير من البلدان التي تتشابه مع الجمهورية اليمنية في الظروف الاقتصادية، ولا سيما عند قياسها إلى إجمالي الناتج المحلي، إلا أن مستوى التعليم العالي يعد متدنيا, بدليل وجود البطالة العالية للخريجين، وهذا يعد هدرا لموارد البلد وحرماناً له من الإفادة من القوة البشرية المؤهلة المتوفرة لديه.

ومما يؤثر سلبا على المستوى العلمي والتربوي في التعليم العالي وجودة مخرجاته اختلال التوازن في نسبة عدد أعضاء هيئة التدريس إلى عدد الطلاب التي تبلغ 1: 50، إلى جانب نقص المباني والتجهيزات وعدم ملاءمتها لمتطلبات العملية التعليمية في القرن الواحد والعشرين, رغم ارتفاع حجم الميزانية الاستثمارية في التعليم العالي، ولذلك فالحاجة غير ماسة إلى زيادة الميزانية التشغيلية والاستثمارية، كما لا ينبغي أن يستمر الاعتماد على ما توفره الحكومة من هذه الموارد بل يجب العمل على إيجاد مصادر ذاتية للتمويل في الجامعات, وتوجيهها بشكل أساسي لتجديد المعامل والمكتبات والتجهيزات.  وهذا يتطلب إحداث تغييرات جوهرية في إدارة هذه الموارد، وإحداث نقلة نوعية في أساليب وطرائق التعليم والتعلم، والتقويم، وتأسيس ثقافة الجودة في الجامعات اليمنية.

إن من أهم العوامل التي أدت إلى ضعف قدرة الجامعات على استخدام مواردها استخداما جيدا، وما نجم عن ذلك من ترد في مستوى المخرجات التعليمية هو ضعف القدرة المؤسسية للجامعات،   ونمط الإدارة المركزي الذي انتهجته  وزارة المالية في تحديد المخصصات المالية  وكيفية إنفاقها، إلى جانب توزع مسئوليات التعليم العالي بين أكثر من جهة، وضعف التنسيق فيما بينها, مما أعاق بلورة  خطة شاملة للتعليم العالي وتطويره ليصبح نظاماً متكاملاً وموحداً للتعليم العالي.

ولذلك فمن الأهمية بمكان وجود هدف إستراتيجي لتطوير نظام لإدارة التعليم العالي بحيث يتسم بالتكامل، وبما يعزز التنسيق بين الوزارات المعنية بمؤسسات التعليم العالي والجامعات, لضمان اتخاذ القرارات الملائمة, بحيث يؤدي ذلك إلى تطوير القدرة المؤسسية لكل منها بشكل مستقل وإلى تطوير نظام فعال للتعليم العالي على المستوى الوطني بشكل عام.  وربما يكون من المفيد وجود جهة واحدة مسئولة عن التعليم العالي بمختلف أشكاله وأنواعه.

إن على الجامعات أن تسعى لتوفير وإعداد الكوادر البشرية التي تمتلك الخبرات والمهارات الإدارية لرفع مستوى الأداء الإداري في مختلف الجوانب, وزيادة الفاعلية في الاستخدام الأمثل للموارد البشرية والمادية، وفي هذا الإطار يمكن البدء - وعلى نطاق محدود على سبيل التجريب - بأن تكلف جامعتان بإعداد مشروع شامل للإصلاح الأكاديمي، والإداري، والمالي, ويناط بهما التنفيذ خلال فترة زمنية محددة،  وفي حال نجاح هذا النموذج يمكن العمل على تعميمه على بقية الجامعات، شريطة أن يركز هذا النموذج على جوانب التدريب والتأهيل المطلوبة, بما يكسبها القدرة اللازمة لممارسة الاستقلال المالي والإداري بصورة مثلى, تحقق الأهداف المرجوة للجامعات.

ولتحقيق ذلك فإن من الضروري أن يقتصر دور وزارة التعليم العالي والبحث العلمي على الإشراف والمتابعة, لتحقيق خطط التطوير الإستراتيجي البعيد المدى، وتحقيق التكامل الفعال بين مختلف عناصر نظام التعليم العالي، وتنظيم مؤسساته, على أن تتحمل الجامعات مسؤولياتها في تسيير شؤونها الخاصة ضمن الإطار الإستراتيجي العام المتفق عليه. وهذا يتطلب إعادة النظر في أسلوب رصد ميزانيات الجامعات وتحديد بنودها، لتصبح أكثر مرونة، بحيث تكون الجامعات قادرة على تنمية مواردها المالية, والاحتفاظ بها، والتصرف فيها بما يتواءم مع خططها واحتياجاتها.

ولكي تحصل الجامعات على قدر أوسع من الاستقلال المالي والإداري، يجب أن يكون هناك قدر مماثل من الشفافية، والمحاسبة، والمساءلة التي تطال الجامعات برمتها مؤسسات وأفراداً، وخصوصا فيما يتعلق باستخدام الموارد، وتطوير المناهج وتحديث محتوياتها، وضمان التميز في  نوعية المخرجات، وإن لم يتحقق ذلك فإن المخرجات سترفد طابور البطالة الطويل ليس إلا، و لن يستفيد اقتصاد البلد من الاستثمارات التي أنفقها على التعليم العالي. ولذلك فإنه يتوجب على الكادر التعليمي في الجامعات إجراء مراجعات دورية للمناهج والمقررات التي يُدرِّسونها، كما يجب أن تعمل الجامعات على التطوير المهني لأعضاء هيئة التدريس، وأن تكون هناك ضوابط تنظم التزامات أعضاء هيئة التدريس ومسئولياتهم تجاه الجامعة، والتزاماتهم الخارجية.  وبشكل عام، ينبغي أن يتوفر نظام صارم لضبط الجودة في التعليم العالي الجامعي وغير الجامعي.

  كما ينبغي، في الوقت نفسه، إعادة النظر في مؤسسات التعليم العالي بشكل عام؛ والمؤسسات التابعة لوزارة التعليم الفني والتدريب المهني, ككليات المجتمع, والمعاهد التقنية المتوفرة حاليا والتي لا تستوعب إلا عددا ضئيلا من الطلاب الراغبين في الالتحاق بالتعليم ما بعد الثانوي ، علما أن هذه المؤسسات قليلة الكلفة مقارنة بالجامعات، كما أنها تقدم برامج تعليمية ذات صلة وثيقة بسوق العمل.ولذلك فالأمر يستدعي توجيه الاهتمام في المستقبل - وبشكل كبير - للتوسع في هذا النوع من المؤسسات.  إلى جانب ذلك, ينبغي إعادة النظر في التخصصات التي تقدمها كليات التربية الفرعية، بحيث يكون لكل كلية توجهها الخاص.

 أما بالنسبة للجامعات الأهلية, فينبغي تشجيعها على أن تتوسع في التخصصات الملائمة لاحتياجات البلد، مع ضرورة أن تخضع برامجها للتقويم وفق معايير الجودة العالمية، وأن تكيف أوضاعها بما يتوافق وشروط الاعتراف والاعتماد الأكاديمي، حتى يمكن للتعليم العالي الأهلي أن يسهم إسهاماً حقيقياً في خدمة الوطن, وتطوير قطاع التعليم العالي بوجه خاص. وعموماً فإن من الضروري أن تخضع جميع مؤسسات التعليم العالي الحكومية والأهلية للاعتماد الأكاديمي وضمانات الجودة، وأن تعمل هذه المؤسسات على تأسيس ثقافة الجودة وتبنيها في كل جوانب العمل المؤسسي إذا ما أريد لها أن تحقق الأهداف المرجوة منها.

وأخيرا, فإن من الضروري الإشارة إلى أن التعليم العالي في الجمهورية اليمنية لم يبلور بعد  تقاليد راسخة في مجال البحث العلمي وفي مجال خدمة المجتمع؛ ولعل السبب الرئيسي لذلك هو ضآلة المخصصات المالية, وقلة الحوافز المتاحة لهذه الأنشطة في الجامعات. ونظراً لما  للبحث العلمي من أهمية بالغة في إنتاج المعرفة وتطويرها، وتنمية التقنية واستخدامها في خدمة البلاد في شتى المجالات, فإنه من الضروري تأسيس هيئة وطنية للبحث العلمي، على أن تهيأ لها الإمكانات المادية اللازمة لتشجيع البحث، وترسيخ تقاليده، وتنسيق الجهود بين مؤسسات البحث العلمي داخل الجامعات وخارجها، وتوسيع دور القطاع الخاص في تنشيط البحث العلمي وتمويله.  

هذا.. وتبدأ هذه الإستراتيجية بمناقشة القضايا المتعلقة بالوضع الراهن، ثم تمضي في وضع رؤية ورسالة مستقبلية للتعليم العالي في اليمن، وصولا إلى تحديد الخطة التنفيذية التي سوف تمكن من تنفيذ هذه الأهداف. على أن من أهم الأولويات التي وضعتها هذه الإستراتيجية هو إصلاح النظام الإداري، وضمان استقلالية الجامعات، والتي بدونها لا يمكن لأي إصلاحات أن تتحقق، أو أن تكون فعّالة.

وفيما يتعلق بالتبعات المالية، فإن تنفيذ بعض التوصيات الواردة في هذه الدراسة سوف لن يكلف الدولة أية مبالغ مالية إضافية، بينما قد تحتاج بعض التوصيات الأخرى. إلى اعتمادات إضافية كبيرة، مثل تجهيز المعامل، والمكتبات، ورفع نسبة أعضاء هيئة التدريس إلى عدد الطلاب، وإنشاء شبكة معلومات التعليم العالي.

أما الإعانات المقدمة من المانحين، فإنها في الغالب ستتوجه إلى جوانب استثمارية رأسمالية محددة، على أن تتحمل خزينة الدولة تغطية التمويل للجوانب الأخرى وفي هذه الدراسة استعراض للوضع الراهن, والاحتياجات المطلوبة التي من شأنها إقناع المانحين بتقديم الدعم للمشاريع المقترحة.

إن هذه الإستراتيجية الوطنية للتعليم العالي ترسي التوجهات التي يمكن للتعليم العالي أن يسير عليها، فهي تشخص الواقع وتحدد المشكلات، وتضع الرؤى، والأهداف، وتحدد الخطوات التنفيذية، ولهذا فهناك ضرورة إلى أن تترجم عملياً من خلال وضع برامج ومشروعات عملية، تحدد فيها الأنشطة والجداول الزمنية للتنفيذ، و الجهات المعنية بالتنفيذ.
____________________________

 

لتحميل الاستراتيجية كاملة يرجى النقر هــنــا 

-